عن عبد الرحمن والمصعد

قرر سكان عمارتنا تغيير البواب بعد أكثر من ثلاث أعوام من خدمته. برأيهم –وإن رأيتُ وجاهته- لم يستطع البواب القديم الوفاء بمتطلبات مهنته بمفرده، وبالتالي كان من الأليق أن يوظفوا آخر يأتي للعيش مع زوجته وأولاده. وبالفعل.. لم يمر أكثر من إسبوع وأتوا ببوابٍ جديد ليحل محله. وللأسف، لم أكن بالقاهرة في ظل هذه الأثناء. كنت أود أن أودع البواب القديم. ناهيك عن العشرة، لكني أشعر بأسى حقيقي تجاهه. مسكين. لا أتخيل حياته الآن بلا تأمين صحي، ولا مدخراتٍ ولا حتى مسكن في هذه المدينة القاهرة.. لكن على أي حال، كان عبد الرحمن هو أول من صادفني من أسرة البواب الجديد عند عودتي. طفلٌ في الثالثة من عمره على أكثر تقدير. قصير القامة كوالده، ونحيف.. يميلُ إلى الإسمرار وفي عينه لمعة طاغية رغم وضوح إرهاق الحياة على وجهه وهو بعدُ صغير..

ألقيتُ عليه التحية حين قابلته، ثم سلمتُ على كفه الصغير. حاولتُ محاولة بسيطة ملاطفته قبل انطلاقي لركوب المصعد. بعد خطواتٍ، لاحظتُ اتباعه لي، واقترابه مني، ثم أشار بيده إلى باب المصعد “بابا جوة” ظل يردد. نظرتُ له بإبتسامة وقلت “تلاقيه عند حد من الجيران”، ثم استكملت المشي. فعاد ولحق بي وكرر “بابا جوة”!.. لم أكترث أكثر من هذا وفتحت باب المصعد لأركب.. فإذا بنظرات دهشةٍ عظيمة رُسمت على وجهه. ولوهلة أدركت الموقف.. فوالده الذي ركب المصعد منذ دقائق، غير موجود بداخله الآن..
من أين لي أن أعرف أنه أول مرة يرى مصعد في حياته يا ربي؟!

رجعتُ بضع خطواتٍ إليه لأحاول شرح حقيقة هذا الشيء السحري الذي يخفي كل من يركبه. بل وحاولتُ أن آخذه من يده لأريه كيف يصعد الأدوار بعد عبور هذا الباب، لكن شق عليّا الأمر. فأنا –وللأسف- لا أعرف كيف ألاطف الأطفال كما ينبغي، ولا يوجد عندي كباقي قريناتي هذا الولع المبالغ فيه تجاههم.. حمدتُ الله أنه وقف متسمرًا بإندهاشٍ فقط ولم يبك.. تخيل إن بدأ البكاء! سأنهارُ قبل أن أعرف كيف أهدئ هذا الكائن الصغير من صريخه!

أتذكر هذا الموقف كلما رأيت عبد الرحمن منذ ذلك الحين. أحيانًا أشعر بشفقة تجاه الأطفال عمومًا، والفقراء منهم على وجه الخصوص. يتطلعون دائما للمستقبل دون أن يدركوا كل البشاعة المخبأة لهم في هذا العالم. وزد على ذلك، هؤلاء الذين عليهم أن يتحملوا عناء الفشل الإقتصادي لحكوماتٍ ربما لن يسمعوا بها إطلاقًا في حياتهم.

فكرتُ أكثر من مرة أن أُساهم ولو بالقليل وأعلمه القراءة والكتابة. أو حتى أن أتفق مع والده على موعدٍ إسبوعي لأقص عليه أيا من قصص الأطفال. فلا أتوقع مثلًا أن تهتم والدته أو أن تجد مايكفي من الوقت لذلك، خاصة وأن سكان العمارة يتوقعون منها ومن زوجها الكثير..

أتمنى أن أنفض عني هذا الحاجز النفسي وأُشرف على تعليم هذا الفتى الذكي الصغير.. ربما يومًا ما..

No Trackbacks

You can leave a trackback using this URL: http://lastoadri.com/blog/archives/3203/trackback/

14 Comments

  1. Anonymous

    امتعنى الاسلوب الراقى.. عذوبة احساس من نوع جديد . انه حقا السهل الممتنع

    Posted 03.03.2013 at 08:02 | Permalink
  2. لا تتاخرى ولا تتردى كثيرا فلربنا صار تعليمه افضل ما صنعت فى حياتك كلها

    Posted 03.03.2013 at 10:20 | Permalink
  3. Haitham Al-Sheeshany

    كلام جميل

    براءة الأطفال شيء لا يمكن إدراك كنهه و رغم أن ما ذكرت
    من البشاعة المخبأة لهم و التي تتربص بهم = مؤلم و لكنه واقعيّ.
    ———
    فكرتك بالقراءة له طيبة و تشكرين عليها. إذا ما كان لي من نصيحة بسيطة:
    حاولي أن تخططي قليلًا للخطوة، و أعني أن تضعي وقتًا معينًا مناسبًا لك + وقت آخر (كاحتياط) .. أحيانًا في عالمنا المتلاهث حتى 20 دقيقة صعب الالتزام بها. انا مقصدي أن الطفل سيكون مبهورًا (على الأقل سعيدًا) جدًا بهذا الجديد و إذا ما أحس بحرمان منه لسبب لا يستطيع أن يفقه أبعاده (مثل الالتزام بموعد تسليم نهائي لمشروع ما.. الخ) فسيصاب بخيبة ، قد ينساها بسرعة و لكن قد .. لا!

    أرجو ألا أكون مهولًا للمسألة -و أظنني كذلك!- و لكن فقط فكرة خطرت لي أثناء القراءة :)
    ——–
    من يدري.. قد تستمتعين بالتحربة البسيطة و تنسجمين معها و بها اكثر منه! :]
    ——
    إحم: .. ربما يومٌ ما = ربما يومًا ما (السطر الأخير) ;)

    Posted 03.03.2013 at 10:39 | Permalink
  4. @Anonymous: شكرًا أنون اللطيف :)

    Posted 03.03.2013 at 11:24 | Permalink
  5. @محمد عبد الغفار: شكرًا على الدفع المعنوي.. في نيتي ذلك ان شاء الله :)

    Posted 03.03.2013 at 11:26 | Permalink
  6. @Haitham Al-Sheeshany: صححتها! أشكرك جدًا. أصلا أحب أن يصحح لي أخطائي في النحو. يكفي ما نفعله غافلين في حق اللغة العربية!

    سأحاول تخطيط الوقت كما نصحتني. وأعتقد اني سأستمتع بها كما تتوقع، الأمر متوقف على مخزون الشجاعة! :(

    أشكرك أيضًا على استمرارك المتابعة. تبهجني تعليقاتك أستاذ هيثم :)

    Posted 03.03.2013 at 11:31 | Permalink
  7. Haitham Al-Sheeshany

    @Lasto adri: أحب أسلوبك في الكتابة و التعبير عن خواطرك و كا ورائيات أحداث يومية عادية
    :)
    ———
    لا داعي للشكر أبدًا و شكرًا للتقبل بصدر رحب (البعض يأخذ على خاطره إن صححت شيئًا على هيئة تعليق!)
    —–
    خبرينا بالتطورات رجاءً :)

    Posted 03.03.2013 at 11:36 | Permalink
  8. Haitham Al-Sheeshany

    @Lasto adri: بعدين أنا طالب مش أستاذ ، هاها

    Posted 03.03.2013 at 11:36 | Permalink
  9. @Haitham Al-Sheeshany: هاها.. الإحترام لا يزال واجب أستاذ هيثم! :P

    Posted 03.03.2013 at 11:40 | Permalink
  10. Haitham Al-Sheeshany

    @Lasto adri: *هيثم ينظر في المرآة؛ همممممممممم .. نعم .. حان الوقت لاستخدام منتجات تأخير علامات تقدم البشرة ال 7 (ام أصبحوا 8 صحيح؟؟)*

    هههههههههههه

    شكرًا على الضحكة .. فعلًا جعلتيني أضحك :)
    القصة هي: أجد كلمة أستاذ = عميقة و قوية و أعلم أننا نستخدمها كمجاملة لطيفة و لكن وقعها -عندي- بالغ الأثر و أصارح دومًا برأيي أنني لا أستحقها :) – ربما ليس بعد :]]

    Posted 03.03.2013 at 11:50 | Permalink
  11. جميلة قوي يا إيمان .. أتمنى أن تساعدي هذا الصبي فعلا ..ربما لو أقدم كل منا على فعل طيب للغير لما انتشرت القسوة والرغبة في الانتقام بيننا
    تحياتي دوما

    Posted 03.03.2013 at 14:34 | Permalink
  12. @lobna: اعدك أن أحاول إن شاء الله..
    مودتي دوما :)

    Posted 03.03.2013 at 21:39 | Permalink
  13. Samar Ali

    أنا أستمتعت بقراءة التدوينة يا إيمان، فعﻻً …

    فاكرة، خاطرتك بأنك تنظمي يوم لقراءة القصص في مكتبة مثل ألف أو ديوان، اليوم أصبح لكِ مع عبد الرحمن، بداية موفقة إن شاء الله ومنتظرة قراءة التطورات معه. ت

    Posted 04.03.2013 at 08:45 | Permalink
  14. ola

    اغبطك علي قدرتك علي التعبير
    فعلا قد تكوني انت شخص مختلف في حياه عبد الرحمن تشجعي وزي مابقولو اطلقي العنان
    انا لا املك الا ان اتي هنا كل مره وابدي اعجابي
    تحياتي
    علا

    Posted 23.03.2013 at 00:25 | Permalink

Post a Comment

Your email is never shared.